
هجرة الأدمغة التونسية: الإكراهات والرهانات
1. دوافع هجرة الأدمغة التونسية
أصبح موضوع هجرة الأدمغة في تونس في السنوات الأخيرة، موضوع متابعة من قبل الفاعلين في الاقتصاد والسياسة، واستأثر باهتمام الباحثين في علم الاجتماع، نظرا للتنامي المتزايد لهذه الظاهرة وما قد ينجرّ عنه من انعكاسات سلبية على الاستراتيجيات المستقبلية للدولة التونسية، والمتمثلة في بناء دولة قوية تكون الكفاءات التونسية من أبرز دعائمها. وعلى هذا الأساس، قمنا بدراسة هذه الظاهرة، دراسة سوسيولوجية موضوعية من أجل الوقوف على الأسباب الحقيقية التي دفعت الأدمغة التونسية إلى الهجرة. و قد تفرّعت هذه الأسباب إلى أسباب موضوعية فرضتها الفترة الصعبة التي تمر بها تونس خاصة بعد الحراك الاجتماعي (2011)، وأسباب ذاتية مرتبطة بطموحات هذه الكفاءات.
الدوافع الموضوعية
منذ استقلالها سنة (1956)، راهنت تونس على العنصر البشري من أجل بناء دولة حديثة، تستجيب لمتطلبات المجتمع المحلي وتعزز اشعاعها على محيطها الإقليمي والعالمي . ولئن نجحت الى حد ما في الأربعة العقود الأولى التي تلت الاستقلال، فإنها لم تحافظ بعد ذلك على كفاءاتها وطاقاتها الفكرية. وبسبب العديد من العوامل، تفاقمت في تونس ظاهرة ما يسمّى " هجرة الأدمغة وهجرة العقول". ومن أبرز هذه العوامل:
-
البطالة: يعود تفشي هذه الظاهرة في تونس الى غياب استراتيجيات واضحة تحد من
البطالة عامة والبطالة التي يعاني منها أصحاب الشهائد الجامعية العليا خاصة.
-
تكلفة المعيشة: تدهور المقدرة الشرائية للأدمغة والكفاءات التونسية، خاصة في
ظل انخفاض قيمة الدينار التونسي وارتفاع مؤشرات التضخم.
-
الاستثمار في المعرفة: تراجعت مكانة ودور الأدمغة والعقول التونسية، خاصة بعد
الحراك الاجتماعي في (2011) وما صاحبه من عدم استقرار سياسي واجتماعي واقتصادي
وثقافي. الأمر الذي ساهم في تهميش الكفاءات التونسية وعدم الاستثمار في المعرفة
والاستفادة من الخبرات التي تكتسبها هذه الطاقات في جميع المجالات.
الدوافع الذاتية
تهاجر الآلاف من الأدمغة باتجاه أوروبا وأمريكا والخليج العربي مدفوعة بطموحات ذاتية:
-
التشجيع المادي والمعنوي: تحصل هذه الأدمغة على العديد من الامتيازات المادية
حيث ترتفع رواتبهم بصفة كبيرة مقارنة بالرواتب التي يتحصلون عليها في تونس. كما
تتم الاحاطة بهم وضمان حسن استقرارهم النفسي والاجتماعي.
-
الطموحات المهنية: تطمح الأدمغة المهاجرة إلى تحقيق مشاريعها البحثية في
مجالات تخصّصها (الطب، الهندسة، الطاقة...). فالهدف الرئيسي لهجرة هذه العقول، هو
تحصيلها واكتسابها رصيدا معرفيا، يؤهلها بأن تتبوأ أعلى الرتب في اختصاصاتها. والإنجازات
العلمية والمعرفية التي تحققها الأدمغة
التونسية في الغرب خير دليل على ذلك.
2. انعكاسات هجرة الأدمغة على تونس
من المؤكد أن أكبر الأخطاء التي ارتكبتها الدول النامية ومن بينها تونس، التفريط في كفاءاتها العلمية والفكرية وفسح المجال أمام الدول المتقدمة لتستنزف هذه الخبرات وهذه العقول واستثمارها لفائدتها. وعلى هذا الأساس، أثّرت ظاهرة " هجرة الأدمغة والعقول " سلبا على المجتمعات المحليّة.
انعكاسات هجرة الأدمغة على التنمية الاجتماعية
تراهن المجتمعات النامية على الكفاءات والأدمغة المحلية من أجل بناء المجتمع وتكوين ثروة بشرية تكون قادرة على الخلق والابتكار في جميع القطاعات. غير أنّ مغادرة أغلبية الباحثين والأكاديميين للجامعات والمؤسسات التعليمية، قد خلق خللا واضحا في وظيفة هذه المؤسسات، ممّا انعكس سلبا على تكوين الناشئة.
انعكاسات هجرة الأدمغة على التنمية الاقتصادية
يقوم الاقتصاد على الكفاءات والخبرات، فهي التي تقوم بالتخطيط والاستشراف ورسم الاستراتيجيات الناجحة من أجل النهوض بالاقتصاد المحلي وتحسين أدائه خاصة وأننا نعيش على وقع العولمة الاقتصادية، غير أنّ التنامي المستمر لهجرة الأدمغة في تونس(علماء اقتصاد، جامعيون، أطباء، مهندسون، باحثون...) كانت له نتائج كارثية على الاقتصاد: غياب الاستثمار الداخلي والخارجي ومغادرة الشركات الاستثمارية الكبرى للبلاد، فارتفعت نسبة التضخم وتدنت قيمة الدينار مقارنة بالعملات الأخرى...الأمر الذي أثر سلبا في نوعية الخدمات التي تقدمها الدولة للمجتمع المحلي.
3. هجرة الأدمغة في تونس ورهانات الفاعلين الاجتماعيين
أسهمت هجرة الأدمغة والعقول في انهيار الاقتصاد التونسي وتراجع القطاع الخدماتي وبالتالي أصبح المجتمع المحلي يعيش أزمة حقيقية، حيث ارتفعت نسب البطالة والفقر والتهميش. وتعود هذه الأزمة في حقيقة الأمر الى تراجع الاستثمارات الداخلية والخارجية بسبب هجرة الكفاءات والخبرات التونسية باتجاه الدول المتقدمة، والتي تسعى بالطرق المادية والمعنوية إلى استقطاب هذه الأدمغة والاستفادة من قدراتها العلمية. ويحق لنا في هذا السياق أن نتساءل: كيف يمكن لنا أن نحافظ على كفاءاتنا ؟ وهل بإمكاننا استرجاع الأدمغة والعقول المهاجرة؟
يمكن للفاعلين الاجتماعيين والسياسيين في تونس المحافظة على الأدمغة
والكفاءات الوطنية وذلك عبر:
·
مراجعة سياسات الدولة والاستثمار في العنصر البشري، خاصة وأن تونس تزخر بطاقات فكرية وعلمية رهيبة.
·
إعطاء المكانة والدور المناسب للأدمغة والعقول التونسية وتشجيعها ماديا
ومعنويا.
·
توفير ميزانية هامة للبحث العلمي والاهتمام بمراكز البحث والتجديد.
·
مراجعة الاتفاقيات المبرمة مع بعض الدول الأوروبية والمتعلقة بإلحاق الطلبة التونسيين للدراسة بالخارج، خاصة وهم الفئة الأكثر ذكاء
في تونس.
·
تطوير مجالات التعاون والتبادل بين الجامعات التونسية والجامعات الأوروبية
والأمريكية والعربية.
·
توفير السلم والأمن الاجتماعيين، سيزيد حتما من رغبة الأدمغة والعقول التونسية
على الاستقرار في تونس.
خلاصة
بناء على ما تقدم ، نخلص إلى أنّه لا سبيل لتقدم دولة مّا دون أن تحافظ على ثرواتها
البشرية وخاصة محافظتها على الكفاءات والأدمغة
والعقول. وأعتقد جازما أنه بمراهنتنا على هذه الفئة من المجتمع، نكون قد كسبنا
خلاصنا من التخلف والتبعية لما يسمّى " بالدول المتقدّمة ".
Commentaires
Enregistrer un commentaire